فخر الدين الرازي

203

تفسير الرازي

فلم يجز تخصيصه بغير دليل ، فهو يتناول كل معروف وكل منكر . الصفة السابعة : قوله * ( ويسارعون في الخيرات ) * وفيه وجهان أحدهما : أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت ، والآخر : يعملونها غير متثاقلين . فإن قيل : أليس أن العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام : " العجلة من الشيطان والتأني من الرحمان " فما الفرق بين السرعة وبين العجلة ؟ قلنا : السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه ، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه ، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين ، لأن من رغب في الأمر ، آثر الفور على التراخي ، قال تعالى : * ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) * ( آل عمران : 133 ) وأيضاً العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى : * ( وعجلت إليك رب لترضى ) * ( طه : 84 ) . الصفة الثامنة : قوله * ( وأولئك من الصالحين ) * والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم ، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن ، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال : بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم * ( وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين ) * ( الأنبياء : 86 ) وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال : * ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) * ( النمل : 19 ) وقال : * ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ) * ( التحريم : 4 ) وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد ، سواء كان ذلك في العقائد ، أو في الأعمال ، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون ، فقد حصل الصلاح ، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات . ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال : * ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم * ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) * بالياء على المغايبة ، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب ، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون ، ولن يضيع لهم ما يعلمون ، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلاّم إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان ، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى ، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال ، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب ، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلة . وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى